ربما ظنّ البعض أنّ النائب الدكتور فيصل المسلم بكشفه عن صورة الشيك المنسوب إلى سمو رئيس مجلس الوزراء إنما قد استجاب في ردة فعل متسرعة إلى المطالبة التي استفزه بها وزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء روضان الروضان في جلسة يوم الأول من أمس للكشف عن الشيكات المدعاة، التي طالما سبق له أن تحدث عنها... ولكن مجريات الأمر تكشف أنّ ما أقدم عليه النائب الدكتور المسلم لم يكن مجرد استجابة ساذجة أو ردّة فعل متعجلة، وإنما هي خطوة محسوبة استفاد فيها من تجربته السابقة في طرح الموضوع.
فالنائب الدكتور فيصل المسلم بعد فوزه في انتخابات المجلس الحالي لم يبدأ من حيث انتهى في الأول من شهر مارس الماضي عندما وجّه استجوابه الشهير إلى سمو رئيس مجلس الوزراء حول مصروفات ديوانه، قبل استقالة الحكومة وحلّ المجلس، بل إنّه بدأ من حيث يُفترض به أن يبدأ بإعادة توجيه السؤال مرة أخرى إلى سمو رئيس مجلس الوزراء، حرصاً منه على التدّرج المطلوب في تفعيل أدوات المساءلة، وانتظر أشهراً طويلة الردّ الموعود، إلى أن جاءه الردّ الملتبس وغير المقبول على سؤاله من وزير الدولة وليس من سمو الرئيس، وبذلك انطلق نحو خطوته الأخرى المتمثلة في الكشف عن بعض ما لديه من وثائق ومستندات، لعلّ سمو الرئيس يوضح أمرها أو يبادر إلى نفيها، حيث كشف في جلسة يوم أمس، داخل قاعة البرلمان وليس خارجها، عن صورة الشيك، وبذلك حقق أكثر من هدف، إذ تجنّب مؤاخذته قانوناً لو أثار الأمر خارجها، مثلما سبق أن فعل، كما أنّه أثبّت بالملموس أنّ قصة الشيكات لها أساس واقعي ملموس ولم تكن مجرد إشاعة مختلقة، مثلما قيل، والأهم من ذلك أنّه بهذه الخطوة قد حقق الربط بين قضية الشيكات وبين موضوع استجوابه السابق حول مصروفات ديوان سمو رئيس مجلس الوزراء، بحيث سيكون الاستجواب في مثل هذه الحالة جديداً غير مكرر أو معاد ومحرجاً أكثر من سابقه!
ويبدو أنّه من بين الخطوات المحسوبة بدقة، التي حرص النائب الدكتور فيصل المسلم على اتباعها هذه المرة، أنّه كشف عن صورة شيك تمّ صرفه إلى نائب سابق أثناء فترة عضويته ذلك الحين؛ وليس إلى أيٍّ من النواب الحاليين، وذلك ليس فقط بهدف تجنيب زملائه الإحراج، وربما ليس أيضاً لعدم امتلاكه صوراً لشيكات أخرى قد تخصّ بعضهم، ولكن يبدو أنّ القصد من هذه الخطوة الانتقائية هو تجنّب مبادرة بعض النواب إلى نفي التهمة عن أنفسهم عبر اقتراحهم تشكيل لجنة تحقيق برلمانية في الموضوع، وذلك حتى لا يُستفاد من مثل هذه اللجنة في قطع الطريق على الاستجواب، الذي أعلن النائب الدكتور المسلم أنّه يتجّه إلى تقديمه خلال أيام، وذلك ما لم يبادر الرئيس إلى تقديم استقالته، وهي استقالة بغض النظر عن استحقاقها، إلا أنّها لن تكون هينة، ولكنها غير مستبعدة.
ولعلّ الخيار الأرجح، ما لم يكن الخيار الأوحد المتبقي أمام النائب الدكتور المسلم هو تنفيذ إعلانه بتقديم استجوابه الموعود خلال أيام، وذلك قبل أن يتم تمييع الموقف، عبر تصريحات بعض النواب «الملكيين أكثر من الملك»، أو ربما قبل أن تجرى عملية خلط متعمّدة للأوراق عبر دفع أحد النواب «غير المكشوفين» إلى تقديم استجواب مفاجئ وسريع إلى قطب حكومي آخر غير سمو الرئيس، وما يمكن أن يترتب على مثل هذا الوضع الملتبس من تداعيات.
وأغلب الظنّ أنّ مثل هذه الاحتمالات جميعاً كانت ضمن حسابات الدكتور فيصل المسلم، فالأمر أبعد من أن يكون مجرد حركة استعراضية مسرحية تنتهي بالكشف عن صورة شيك مصروف لنائب سابق، فإن كانت كذلك فإنّ الخاسر الأوحد هو الدكتور المسلم نفسه..!