إن ما يحدث اليوم من محاولات ضرب الوحدة الوطنية وتمزيق نسيج المجتمع ليس وليد الصدفة ولا هو من قبيل الارتجال غير المحسوب ، بل هو نتاج عملية ممنهجة أشرنا إليها مرارا وتكرارا عنوانها «فرّق تسد»، إن أي قوة في العالم ستسعى أول ما تسعى لإضعاف خصمها ، وليس هناك خصم لأي حكومة إلا المعارضة لها المتحصنة بقوى الشعب ، ولإضعاف تلك المعارضة لابد من تشتيت قواها وتفكيك جبهتها وإلهائها بمختلف القضايا كبيرها وصغيرها لتلتفت وتنشغل عن لب المشكلة وأساسها، وهذا ما يحدث اليوم.
لقد ضربت الحكومة الليبراليين في بداية السبعينيات بالإسلاميين ، ثم حين أضعفتهم ضربت الشيعة بالسنة في الثمانينيات وأحداث العراق وحربها مع إيران ، ثم حين أضعفتهم ، ضربت الإسلاميين بالقبائل ، وشرعنت الفرعيات ثم غضت الطرف عنها وعندما سادت العصبية وتحزبت القبائل ضربتها بالقوات الخاصة وضربتها ببعضها البعض ثم ضربت كل قبيلة بأفخاذها وعوائلها ، ثم ضربت الحضر بأبناء القبائل وضربت القبائل بالحضر ، وستستمر الحكومة بهذا المنهج ما بقي الحال على ما هو عليه.
بالنسبة لي أجده مفهوما أن تسعى أي حكومة لحماية نفسها وإطالة أمد بقائها بضرب القوى والأحزاب السياسية والتجار وصنّاع الرأي وأصحاب القلم ، وأتفهم لجوء الحكومات والأنظمة لوسائل غير محترمة وخبيثة أحيانا كثيرة في البيئة السياسية غير النظيفة عادة في سبيل ذلك ، لكن من غير المقبول ولا المفهوم أن تسعى حكومة ما إلى تدمير شعبها وتفتيت المجتمع مقابل بقائها !!
ومع ذلك وبالرغم تحفظي الكبير على تلك التقسيمات والمسميات إلا أنها واقع علينا واجب السعي والعمل لتغييره، لنستبدل كل تلك التقسيمات بالمواطنة ولا شيء غيرها، فكيف يتم ذلك؟
يردد البعض اليوم أن الغضبة التي تجتاح البلاد من أبناء القبائل هي فزعة عصبية قبلية ليست لها علاقة بالمواطنة ومعانيها، وإن نصرتها ودعمها هو دعم للتعصب القبلي ولتقوية شوكة القبائل على حساب الدولة والقانون، وإلا لماذا لم ينتفض أبناء القبائل إلا حين تعرضوا للتجريح بينما سكتوا حين تعرض غيرهم لما تعرضوا له ؟!
وتعليقي على تلك التساؤلات هو التالي:
أولا: نعم هناك من أبناء القبائل من انتفض عصبية وحمية قبلية صرفة وهذه الانتفاضة ليست ما يجب أن يكون ولكنه حق ومفهوم ومعتبر، إن التهاون في نصرة الغير والتكاسل عنه لا يمكن أن يكون حجة لتهاون من وقع عليه الأذى، فلما يتكاسل الإنسان عن نصرة أخيه ونجدته ضعفا أو خوفا ، لكنه حين يتعرض أهل بيته وأبناؤه للخطر ينسى الضعف والخوف وتشتعل الحمية في نفسه ، وهذا تصرف بشري طبيعي ، وعليه تهاون القبائل في نصرة من تعرض للغبن والسوء من أبناء الوطن لا يجب أن يكون حجة عليهم حين قاموا نصرة لكراماتهم وإنفتهم .
ثانيا: من أبناء القبائل من وظّف غضبته وحميته التوظيف الواجب والمفترض فجعل من غضبته لقومه وأهله وقودا وحجة للدفاع عن الدستور والمواطنة وردا على السفهاء الجهلاء ومن يحركهم ، ولقد تشرفت شخصيا بالانضمام إلى «لجنة الانقاذ الوطني» الذي سمعت به من أبناء القبائل ما يرفع الرأس ويثلج الصدر فاعتزازهم بمواطنتهم وولائهم لأرضهم ودستورهم ووعيهم العالي بخطورة ما يجري على الوطن ومواطنيه جميعا كان سائدا بل محل اتفاق جميع أعضاء اللجنة التي شاركهم فيها الحضر جنبا إلى جنب.
ثالثا: اليوم هي فرصتنا كشعب بمختلف انتماءاته وتصنيفاته أن نجتمع على كلمة سواء، وليزايد اليوم أبناء الحضر على البدو وليكن حشدهم في تجمع اليوم وفي الفعاليات القادمة أكبر من البدو ليوصلوا رسالة أن ما يمسكم يمسنا جميعا وأننا حين تهاونا عن نصرة بعضنا أمام من يريد تفتيتنا وتمزيق وحدتنا كنا جميعا مخطئين وإننا لن نكرر هذا الخطأ بعد اليوم ، وإنه بوقفتنا اليوم نؤسس لعهد جديد من المواطنة الحقة ، عهد عصي على كل من تسول له نفسه العبث به أو الاقتراب منه.
إن ما يجري اليوم فرصة كبرى للشعب أن ينهي عهداً بائساً فشلت فيه الحكومات المتعاقبة عن أي إنجاز يذكر بل إن عهده مملوء بالكوارث والمصائب على مختلف الصعد والمستويات، إن رحيل الحكومة وسياساتها ضرورة وطنية، ليبدأ الشعب بعدها بروح جديدة لعهد جديد ننطلق فيه نحو غد أفضل.
Altariq2009@gmail.com