من بين مواد الدستور المستهدفة بمحاولة التنقيح، التي تتولى بعض الأطراف النيابية ترتيبات التحضير لطرحها، المادة 66 التي تنظم عملية إعادة النظر في القوانين بعد أن يقرّها مجلس الأمة، بحيث يُحال دون إقرار القوانين المطلوب إعادة النظر فيها بأغلبية الأعضاء، الذين يتألف منهم المجلس في دور انعقاد آخر.
وربما يتوهم البعض؛ أو بالأحرى لعلّ هناك مَنْ يدعي أنّ مثل هذه المادة الدستورية المستهدفة بمحاولة التنقيح إنما هي مجرد مادة ذات طابع إجرائي بحت لا صلة لها من قريب أو بعيد بمبادئ الحرية والمساواة، التي يشترط الدستور عدم جواز تنقيحها إلا نحو توفير المزيد من الضمانات، وبالتالي فإنّ تنقيح هذه المادة لا يتعارض مع الشروط المقررة في الدستور لتنقيحه... ولكن الحقيقة خلاف ذلك، إذ أنّ تنقيح هذه المادة الدستورية باتجاه الحيلولة دون تمكين مجلس الأمة بغالبية الأعضاء، الذين يتألف منهم من إعادة إقرار القوانين، التي يتمّ ردّها إليه بعد إقرارها أول مرة، إنما هو إخلال صارخ بالنظام الدستوري يتجاوز حدود الجانب الإجرائي.
فعندما وضع الآباء المؤسسون الدستور في العام 1962 فقد حرصوا بالأساس على تصميمه، مثلما تشير إلى ذلك المذكرة التفسيرية كطريق وسط «بين النظامين البرلماني والرئاسي مع انعطاف أكبر نحو أولهما لما هو مقرر أصلا من أن النظام الرئاسي إنما يكون في الجمهوريات ، وإن مناط قيامه كون رئيس الدولة منتخبا من الشعب لبضع سنوات ومسؤولا أمامه بل وأمام ممثليه على نحو خاص . كما أُريد بهذا الانعطاف ألا يفقد الحكم طابعه الشعبي في الرقابة البرلمانية»... بل أنّ الدستور يدعو صراحة في موضع آخر من مذكرته التفسيرية إلى ضرورة الحذر من المبالغة في ضمانات السلطة التنفيذية، وبالتالي فإنّ إضعاف أي جانب من جوانب النظام البرلماني، الذي ينعطف الدستور نحوه على نحو أكبر، والتمادي أكثر في المبالغة بزيادة الضمانات المقررة فيه أصلا للسلطة التنفيذية عبر تنقيح الدستور من شأنه الإخلال بالتوازن المقرر فيه بين النظامين البرلماني والرئاسي، بل من شأنه أيضا المساس بالحقوق الديمقراطية المقررة للأمة وممثليها في إقرار القوانين المطلوب إعادة النظر فيها، بعد ردّها إلى مجلس الأمة، حيث سيتعذر وفق محاولة التنقيح المقترحة إقرار مثل هذه القوانين، حتى وإن تحققت لها الغالبية النيابية الخاصة، التي يتطلبها الدستور لإقرارها.
وفي المقابل، فلعلّه لا بد من القول صراحة وبوضوح إنّه إذا كان هناك تنقيح مستحق للدستور في اتجاه توفير المزيد من الضمانات لتعزيز مبادئ الحرية والمساواة، فإنّ هذا التنقيح يفترض أن يقلّص ما أشارت إليه المذكرة التفسيرية للدستور من ضمانات مبالغ فيها للسلطة التنفيذية، وبينها: عدم النصّ على إسقاط الوزارة بكاملها بقرار عدم ثقة يصدره مجلس الأمة، والاستعاضة عن ذلك الأصل البرلماني بنوع من التحكيم يحسمه الأمير... ووضع قيود على المسؤولية السياسية الفردية للوزراء، بحيث لا يجوز طرح الثقة بالوزير إلا بعد المرور بآلية الاستجواب... وعدم الأخذ على نحو مطلق بالقاعدة البرلمانية، التي توجب اختيار الوزراء من أعضاء البرلمان... وابتداع فكرة لا تجاري كمال شعبية المجالس النيابية باعتبار الوزراء غير المنتخبين أعضاء في مجلس الأمة بحكم وظائفهم... فهذه الضمانات المبالغ فيها للسلطة التنفيذية، هي الأحق والأَولى بالتنقيح!
باختصار، إنّ الخطر الماثل، الذي يتهدد نظامنا الدستوري يتمثّل الآن في المحاولة النيابية الجاري الإعداد لها لاختراق الحاجز النفسي الشعبي المناهض لتنقيح الدستور... وإن لم يكن هناك مجال لمنع هذا الاختراق، فليواجه هذا الاختراق بتحرك شعبي مضاد وليس نيابيا فقط نحو تحقيق المزيد من الضمانات الدستورية، التي تقربنا أكثر من الانعطاف المطلوب نحو النظام البرلماني!