جريدة عالم اليوم

جريدة عالم اليوم

جريدة عالم اليوم

جريدة عالم اليوم

جريدة عالم اليوم جريدة عالم اليوم جريدة عالم اليوم جريدة عالم اليوم

الثلاثاء 07/سبتمبر/2010
العدد 1120 الثلاثاء
جريدة كويتية يومية سياسية ـ شاملة ـ
الصفحة الرئيسية | إدارة التحرير | من نحن | الأرشيف | أتصل بنا | PDF
أبحث في مقالات عالم اليوم بحث متقدم
د. بسام الشطي
حكم اجتماع يوم العيد ويوم الجمعة وآداب العيد..
خالد الجابر
«طاش» حكاية لم تنتهي بعد
سلطان آل مفتوق
اجتثاث المعارضة ؟!
سـهام حمد السهيل
آن الأوان للرحيــــــل
ضاري الشريدة
حريتنا يجب أن تبقى محلية
د. عبدالعزيز يوسف الاحمد
غالي يا وطن غالي وأغلى من الروح غالي
مبارك البذالي
ضاعت حياته وبسمة والديه بسبب صاحب السوء
مـسفـر الـنعـيـس
ردود أفعال لحكومة الأقوال!
مشاري العدواني
سيد نواب أهل النار!!
مشاري عبدالله الحمد
راضي وياسر.. الرفاهية والتعصب!
سالم المطيري
مدن الدم ... غزه , بغداد , بيروت
سالم المطيري
مدن الدم ... غزه , بغداد , بيروت
أخر تحديث 14/07/2010
كان أكبر معاهد العلم في العالم الإسلامي
المسجد الأقصى.. تاريخ وأمل الأمة.. فهل من همّة؟ (4)
كتب أحمد يحيى
 

تاريخ بيت المقدس والمسجد الأقصى هو تاريخ الانبياء من لدن آدم عليه السلام إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم واتصل تاريخ بيت المقدس بسيرة الخلفاء الراشدين والصحابة الفاتحين والحركة العلمية الاسلامية وتاريخ الجهاد الاسلامي الفذ.

واخرج البخاري في صحيحه بالسند إلى ابي ذر رضي الله عنه قال: قلت يارسول الله أي مسجد وضع في الأرض أول؟ قال:«المسجد الحرام» قال: قلت: ثم أي؟ قال:«المسجد الأقصى» قال: كم كان بينهما؟ قال:«اربعون سنة، ثم أين ما أدركتك الصلاة بعد فصل فإن الفضل فيه».

وليس هناك نص ثابت في أول من بنى المسجد الأقصى ولكن لا خلاف ان بيت المقدس اقدم بقعة على الأرض عرفت عقيدة التوحيد بعد المسجد الحرام في مكة المكرمة وان الفرق بين مدة وضعهما في الأرض اربعين سنة.

اليوم نغوص معكم في التاريخ لنتعرف أكثر على المسجد الأقصى فإلى الفصل الرابع من «تاريخ وأمل الأمة .. فهل من همّة؟». الذي تنشره «عالم اليوم» بالتعاون مع مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية

 

بعد فتح الشام أوعز عمر بن الخطاب رضي الله عنه الى أبي عبيدة رضي الله عنه ان يزحف الى القدس، فلبى ابوعبيدة امر الخليفة، واستدعى سبعة من مقاديم الجيش، فعقد لكل منهم راية، ضاما اليه خمسة آلاف مقاتل، وامرهم بالمسير الى بيت المقدس.

ولما وصل ابوعبيدة  رضي الله عنه الى الاردن، بعث الرسل الى أهل إيلياء، وبعث معهم برقية لأهلها. بسم الله الرحمن الرحيم «من أبي عبيدة بن الجراح الى بطارقة أهل إيلياء وسكانها. سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله وبالرسول. اما بعد: فإنا ندعوكم الى شهادة ان لا اله الا الله محمد رسول الله، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وان الله يبعث من في القبور. فإن شهدتم بذلك، حُرمت علينا دماؤكم وأموالكم وذراريكم، وكنتم لنا إخوانا. وان ابيتم، فأقروا لنا بأداء الجزية عن يد وانتم صاغرون. وان انتم ابيتم، سرت اليكم بقوم هم اشد حبا للموت منكم لشرب الخمرة وأكل لحم الخنزير، ثملا ارجع عنكم ان شاء الله ابدا، حتى اقتل مقاتليكم وأسبي ذراريكم».

 

مواقف وعبر

 

بعد ان ادرك النصارى في بيت المقدس ان لا مفر من التسليم طلبوا من أبي عبيدة بن الجراح ان يصالحهم على مثل ما صالح أهل مدن الشام، وان يكون المتولي للعقد معهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب نفسه، فأجابهم، واعطاهم الأمان بما تسمى بالعهدة العمرية والتي فيها: «هذا ما اعطى عبدالله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان، اعطاهم امانا لأنفسهم وأموالهم».

واقام خليفة المسلمين عمر  رضي الله عنه في بيت المقدس اياما خطب خلالها في الناس، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: «يا أهل الإسلام، ان الله تعالى قد صدقكم الوعد، ونصركم على الأعداء، وورثكم البلاد، ومكن لكم في الأرض، فلا يكونن جزاؤه منكم الا الشكر، واياكم والعمل بالمعاصي، فإن العمل بالمعاصي كفر النعم. وقلما كفر قوم بما انعم الله عليهم ثم لم يفزعوا الى التوبة الا سُلبوا عزهم، وسلط عليهم عدوهم».

ثم نزل وحضرت الصلاة، وامر بلالا بالأذان، فلما اذن بلال وسمعت الصحابة صوته ذكروا نبيهم صلى الله عليه وسلم وبكوا بكاء شديدا، ولم يكن من المسلمين يومئذ اطول بكاء من ابي عبيدة ومعاذ بن جبل، حتى قال لهما حسبكما رحمكما الله.

فلما قضى صلاته انصرف امير المؤمنين راجعا الى المدينة واجتهد فيما هو بصدده من إقامة شعائر الإسلام والنظر في مصالح المسلمين، والجهاد في سبيل الله.

 

الوثيقة العمرية

 

بسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما اعطى عبدالله عمر امير المؤمنين أهل ايلياء من الأمان، اعطاهم أمانا لانفسهم واموالهم ولكنائسهم وصلبانهم وسقيمها وبريئها وسائر ملتها ان لاتسكن كنائسهم ولاتهدم ولاينتقض منها ولا من حيزها ولامن صلبهم ولا من شيء من اموالهم ولايكرهون على دينهم ولايضار احد منهم ولايسكن بإيلياء معهم احد من اليهود وعلى اهل ايلياء ان يعطوا الجزية كما يعطي أهل المدائن وعليهم ان يخرجوا منها الروم واللصوت«اللصوص» فمن خرج منهم فإنه آمن على نفسه وماله حتى يبلغوا مأمنهم ومن اقام منهم فهو آمن وعليه مثل ما على أهل ايلياء من الجزية.

ومن احب من اهل ايلياء ان يسير بنفسه مع الروم ويخلي بيعهم وصلبهم فإنهم آمنون على انفسهم وعلى بيعهم وصلبهم حتى يبلغوا  مأمنهم.

فمن شاء منهم قعد وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية ومن شاء سار مع الروم ومن شاء رجع إلى اهله، فإنه لايؤخذ منهم شيء حتى يحصد حصادهم وعلى مافي هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله وذمة الخلفاء وذمة المؤمنين إذا اعطو الذي عليهم من الجزية.

وللوثيقة العمرية التي اعطاها عمر بن الخطاب رضي الله عنه لسكان القدس وبيت المقدس من النصارى معان جليلة:

أولا: القدس بما فيها بيت المقدس فتحت صلحا ولم تفتح عنوة وهذا ما يدحض زعم المستشرقين القائلين بأن الاسلام انتشر بحد السيف، ثانيا حرص امير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه على الاستجابة لقبول الصلح وابرم الصلح بنفسه بعد ان سافر من المدينة المنورة إلى فلسطين من أجل اتمام هذا الصلح.

ثالثا: ترك لهم الحرية بأنه من احب ان يبقى على دينه ويرحل فعلى المسلمين ان يبلغوه مأمنه دون غدر أو خيانة أما من كان من غير أهل القدس فقد تركت له هذه العهدة حرية الاختيار بين البقاء أو الرحيل عنها.

رابعا: أمن امير المؤمنين اهل القدس على انفسهم واعراضهم واموالهم وممتلكاتهم ومنع التعدي على أي من ذلك وان يعطوا الجزية نظير بقائهم على دينهم وحماية المسلمين لهم.

خامسا: منعت العهدة ان يسكن مع اهل القدس من النصارى احد من اليهود.

سادسا: منعت العهدة ان يسكن مع اهل القدس من النصارى احد من اليهود وذلك نزولا عند رغبة النصارى لتطهر من خبث اليهود وتلك دلالة صارخة على كره امم الارض لليهود.

سابعا: الاسلام وان كان دين سماحة لكنه دين عزة وقوة دون ضعف وخور وبالتالي يعلم ان الشروط السابقة باقية محترمة مادام اهل الذمة ملتزمون بشروط المسلمين«إذ اعطوا الذي عليهم من الجزية» فإن منعوها شرع قتالهم.

ثامنا: شهد على الوثيقة صحابة اجلاء رفعوا راية التوحيد على اول قبلة للمسلمين وثالث المساجد التي تشد اليها الرحال.

ولابد من التنبيه على ان العهدة العمرية لاهل ايلياء ليس لها سند ثابت اما الشروط العمرية نقل الحفاظ تصحيحها جملة ووردت عند ابن عساكر بسند حسن كشيخ الاسلام ابن تيمية والحافظ ابن القيم واجمعت الأمة على العمل بما ورد في الشروط العمرية كأصل شرعي للتعامل مع اهل الذمة وعملت بها الأمة وتناقلتها بالرواية والاحتجاج والشرح والتفصيل لثبوتها عن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعدم مخالفة احد من الصحابة له في ذلك.

وذكر شيخ الاسلام ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم» نص هذه الشروط ثم قال:«وهذه الشروط اشهر شيء في كتب الفقه والعلم وهي مجمع عليها في الجملة بين العلماء من الأئمة والمتبوعين.

صلاح الدين مثل يقتدى في تاريخ الجهاد الاسلامي، بعد الصحابة والتابعين وسوف يبقى المثل والقدوة فيما يأتي من الازمنة، وقد اتفقت الامة على مر عصورها بعده على حبه، عاشت سيرته حية في القلوب رطبة على الالسنة، لانه احب الجهاد حبا استولى على قلبه، وغلبه على نفسه، وهون عليه الشدائد، لقد قضى جل هذه السنوات في الخيام، او على صهوات الخيل مقاتلا للاعداء.

كان لا يرى الا مهتما مغتما، تعلوه كآبة الحزن والاسى، بل كان عزوفا عن الطعام، ولا يتناول من الغذاء الا الشيء اليسير، ولما سئل عن سبب ذلك اجاب، كيف يطيب لي الفرح والطعام ولذة المنام وبيت المقدس بأيدي الصليبيين؟!

قال صاحبه القاضي «بهاء الدين بن شداد» كان – رحمه الله عنده من القدس امر عظيم لا تحمله الجبال وقال: وهو كالوالدة الثكلى، يجول بفرسه من طلب الى طلب، ويحث الناس على الجهاد ويطوف بين الطلاب بنفسه وينادي: يا للإسلام، وعيناه تذرفان بالدموع.

ويتحدث ابن شداد عن حبه للجهاد، فيقول: ولقد كان حبه للجهاد والشغف به قد استولى على قلبه وسائر جوانحه استيلاء عظيما، بحيث ما كان له حديث الا فيه، ولا نظر الا في آلته، ولا كان له اهتمام الا برجاله، ولا ميل الا الى من يذكره ويحثه عليه، ولقد هجر في محبة الجهاد في سبيل الله أهله واولاده ووطنه وسائر بلاده، وقنع من الدنيا بالسكون في ظل خيمة تهب بها الرياح ميمنة وميسرة.

 

تحرير بيت المقدس

 

بعد ان استحوذ النصارى على بيت المقدس مدة احدى وتسعين سنة هيأ الله تعالى هذا القائد المجاهد ليخلصه منهم.

سار الجيش الاسلامي نحو بيت المقدس، ونزل غربي بيت المقدس في الخامس عشر من رجب فوجد البلد قد حصنت غاية التحصين، فأقام صلاح الدين خمسة ايام، وسلم الى كل طائفة من الجيش ناحية من السور وابراجه وقاتل الفرنج دون البلد قتالا هائلا، وبذلوا انفسهم وأموالهم في نصرة دينهم، واستشهد في الحصار بعض أمراء المسلمين، واجتهد المسلمون في القتال، والعيون تنظر الى الصلبان منصوبة فوق الجدران، وفوق قبة الصخرة صليب كبير فزاد ذلك اهل الايمان تصميما على القتال وتحرير الارض المقدسة من الكفر والشرك وبادر صلاح الدين الى الزاوية الشرقية الشمالية من السور، فنقبها وحشاها واحرقها، فسقط ذلك الجانب وخر البرج برمته، فلما رأى النصارى ذلك طلب كبيرهم «بالبابن بن بازران» الأمان ليحضر عند صلاح الدين، ثم طلب الصلح، فأجابه الى ذلك على ان يبذل كل رجل منهم عن نفسه عشرة دنانير، وعن المرأة خمسة دنانير، وعن كل صغير دينارين، ومن عجز عن ذلك كان اسيرا للمسلمين، وان يتحولوا من القدس الى مدينة «صور».

فكان جملة من اسر بهذا الشرط ستة عشر الف اسير من الرجال والنساء والولدان، ودخل صلاح الدين القدس يوم الجمعة ونظف المسجد الاقصى مما كان فيه من الصلبان والرهبان والخنازير، ونودي بالاذان، وقرئ القرآن، وكانت اول صلاة جمعة اقيمت بعد زمن طويل عمت فيه ظلمات الشرك والظلم على هذه البقعة المقدسة.

فهذا صلاح الدين رحمه الله رحمة واسعة وتلك همته في تحرير بيت المقدس والمسجد الاقصي فهل للامة ان تحمل هم تحرير مقدساتها كما حمل همه صلاح الدين؟

 

خطبة لا تنسى

 

أول جمعة اقيمت ببيت المقدس بعد تحرير صلاح الدين المسجد الأقصى المبارك.

لما تطهر بيت المقدس ما كان فيه من الصلبان والنواقيس والرهبان، ودخله أهل الايمان، ونودي بالاذان وقرئ القرآن، ووحد الرحمن، كان أول جمعة اقيمت في اليوم الرابع من شعبان، بعد الفتح بثمان، فنصب المنبر إلى جانب المحراب، وامتلأ الجامع، وسالت لرقة القلوب المدامع، ولما اذن المؤذنون للصلاة قبل الزوال كادت القلوب تطير من الفرح في ذلك الحال، وعين للخطابة القاضي محيي الدين محمد بن زكي الدين علي، وشرع في الخطبة فقال فيها: الحمد لله معز الاسلام بنصره، ومذل الكفر بقهره، ومصرف الامور بعدله، ومديم النعيم بشكره، ومستدرج الكفار بمكره، الذي قدر الايام دولا بعدله، وجعل العاقبة للمتقين بفضله، واظهر دينه على الدين كله، واشهد ان محمدا عبده ورسوله رافع الشك، وداحض الشرك، ورافض الافك، الذي اسرى به ليلا من المسجد الحرام إلى هذ المسجد الاقصى، وعرج به منه إلى السماوات العلا «عند سدرة المنتهى «14» عندها جنة المأوي«15» اذ يغشى السدرة ما يغشى «16» ما زاغ البصر وما طغى «17» النجم.

أيها الناس: أبشروا برضوان الله الذي هو الغاية القصوى، والدرجة العليا، لما يسره الله على ايديكم من استرداد هذا الضالة من الامة الضالة، وردها إلى مقرها من الاسلام بعد ابتذالها في أيدي المشركين قريبا من مائة عام، وتطهير هذا البيت الذي اذن الله ان يرفع ويذكر فيه اسمه، واماطة الشرك عن طرقه بعد ان امتد عليها رواقه، واستقر فيها رسمه، ورفع قواعده بالتوحيد فإنه بنى عليه، وشيد بنيانه بالتمجيد، فانه أسس على التقوى من خلفه، ومن بين يديه، فهو موطن ابيكم ابراهيم ومعراج نبيكم عليه السلام، وقبلتكم التي كنتم تصلون اليها في ابتداء الاسلام فهو مقر الانبياء، ومقصد الاولياء، ومدفن الرسل، ومهبط الوحي، وهو أرض المحشر، وصعيد المنشر، وهو في الارض المقدسة التي ذكرها الله في كتابه المبين، وثاني المسجدين، لا تشد الرحال بعد المسجدين الا اليه، فلولا انكم ممن اختاره الله من عباده، واصطفاكم من سكان بلاده، لما خصكم بهذه الفضيلة التي لا يجاريكم فيها مجار، ولا يباريكم في شرفها مبار، وطوبى لكم من جيش جددتم للإسلام أيام القادسية، والملاحم اليرموكية، والمنازلات الخيبرية، والهجمات الخالدية، فجزاكم الله عن نبيه محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ افضل الجزاء، وشكر لكم ما بذلتموه من مهجكم في مقارعة الاعداء، وتقبل منكم ما تقربتم به اليه من مهراق الدماء، واثابكم الجنة فهي دار السعداء.

وقال: فاقدروا رحمكم الله هذه النعمة حق قدرها، وقوموا لله بواجب شكرها، أليس هو البيت الذي عظمته الملل، واثنت عليه الرسل، وتليت في الكتب الاربعة المنزلة من الله عز وجل؟ أليس هو البيت الذي امسك الله لاجله الشمس على يوشع ان تغرب، وباعد بين خطواتها ليتيسر فتحه ويقرب؟ أليس هو البيت الذي امر الله عز وجل موسى ان يأمر قومه باستنقاذه فلم يجبه الا رجلان، وغضب الله عليهم لاجله، فألقهم في التيه عقوبة للعصاين؟ فاحمدوا الله الذي امضى عزائمكم لما نكلت عليه بنو اسرائيل، ووفقكم لما خذلت فيه أمم كانت قبلكم من الامم الماضين وجمع لاجله كلمتكم وكانت شتى، فليهنكم ان الله قد ذكركم به فيمن عنده، وشكر لكم الملائكة المنزلون على ما اهديتم لهذا البيت من طيب التوحيد، ونشر التقديس والتمجيد، وما امظتم عن طرقهم فيه من اذى الشرك والتثليث، والاعتقاد الفاجر الخبيث، فالآن تستغفر لكم املاك السماوات، وتصلي عليكم الصلوات المباركات، فاحفظوا رحمكم الله هذه الموهبة فيكم، واحرسوا هذه النعمة عندكم بتقوى الله التي من تمسك بها سلم، ومن اعتصم بعروتها نجا وعصم، واحذروا من اتباع الهوى، ومواقعة الردي، ورجوع القهقري، والنكول عن العدي.

ثم قال رحمه الله: فاحذروا عباد الله بعد ان شرفكم الله بهذا الفتح الجليل والمنح الجزيل، وخصكم بنصره المبين، واعلق ايديكم بحبله المتين، ان تقترفوا كبيرا من مناهيه وان تأتوا عظيما من معانيه«ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة انكاثا» النحل 92، «الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فاتبعه الشيطان فكان من الغاوين» «175» الاعراف.

والجهاد الجهاد فهو من افضل عباداتكم واشرف عاداتكم، انصروا الله ينصركم، احفظوا الله يحفظكم، اذكروا الله يذكركم، اشكروا الله يزدكم ويشكركم، جدوا في حسم الداء وقطع شأفة الاعداء وطهروا بقية الارض من هذه الانجاس التي اغضبت الله ورسوله، واقطعوا فروع الكفر واجتثوا اصوله، فقد نادت الايام: يا للثارات الاسلامية، والملة المحمدية، الله اكبر، فتح الله ونصر، غلب الله وقهر، اذل الله من كفر واعلموا رحمكم الله ان هذه فصرة فانتهزوها، وفريسة فناجزوها وغنيمة فحوزوها ومهمة فاخرجوا لها هممكم وابرزوها وسيروا اليها سرايا عزماتكم وجهزوها فالامور بأواخرها، والمكاسب بذخائرها فقد اظفركم الله بهذا العدو المخذول وهم مثلكم أو يزيدون فكيف وقد اضحى قبالة الواحد منهم عشرون، وقد قال الله تعالى: «وان يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون» «65» الانفال، أعاننا الله واياكم على اتباع أوامره، والازدجار بزواجره، وأيدنا معاشر المسلمين بنصر من عنده«ان ينصركم الله فلا غالب لكم وان يحخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون» «160» آل عمران.

ثم قال: آمركم واياي عباد الله بما أمر الله به من حسن الطاعة فأطيعوه، وأنهاكم واياي عما نهى الله عنه من قبح المعصية فلا تعصوه، أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم لي ولكم ولجميع المسلمين فاستغفروه، ثم دعا للإمام الناصر خليفة العصر في ذاك الزمان.

المسجد الأقصى المبارك كان مركزا هاما لتدريس العلوم الاسلامية على مدى العصور وواحدا من اكبر معاهد العلم في العالم الاسلامي كله، وهو أول معهد اسلامي في فلسطين.

فبعد ان فتح عمر ـ رضي الله عنه ـ القدس وفد مع عمر وبعده الى القدس عدد كبير من صحابة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهم اعمدة العلم والدعوة.

وكان ائمة المسلمين وعلماؤهم حريصين منذ البداية على شد الرحال إلى المسجد الأقصى المبارك للصلاة فيه ونشر العلم، ومن ابرز من استقر من الصحابة في القدس وتوفي فيها الصحابي الجليل «عبادة بن الصامت» ـ رضي الله عنه ـ والصحابي الجليل «شداد بن أوس» رضي الله عنه.

فعبادة بن الصامت رضي الله عنه هو أول من ولي قضاء فلسطين وقد كلفه عمر ـ رضي الله عنه ـ بالتعليم في بيت المقدس إلى جانب مسؤولياته الاخرى.

وشداد بن أوس بن ثابت ـ رضي الله عنه ـ روى عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ جملة احاديث، وكان ممن أوتي العلم والحلم، وروى عنه أهل الشام.

ومن بعد هذين العلمين الكبيرين شد الرحال الى المسجد الاقصى عشرات بل مئات من كبار علماء الاسلام، حيث أبدى خلفاء بني امية اهتماما خاصا بالمسجد الاقصى والقدس.

وفي القرن الخامس الهجري بوجه خاص كان المسجد الاقصى مركزا لحياة علمية نشيطة شملت على الاخص علم الحديث والفقه، واجتمع بالمسجد الاقصى علماء «المقادسة» مع علماء من بلدان العالم الاسلامي المختلفة من المشرق والمغرب، وذكر عارف العارف في تاريخ القدس انه «كان في المسجد الاقصى ثلاثمائة وستون مدرسا» حينذاك.

وكان المسجد الاقصى المعهد العلمي الكبير الوحيد في القدس في القرون الاربعة للهجرة، واشتهر المسجد الاقصى بحلقات قراءة القرآن وحفظه وتدارسه.

ومن المحدثين الثقات الذين درسوا واهتموا بعلم الحديث وروايته «عبدالله بن فيروز الدليمي» خرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة.

وابو سلام الحبشي كان يقدم بيت المقدس ويقرأ على عبادة بن الصامت ويروي عنه وكان من أعلام الفقهاء الذين درسوا في المسجد الاقصى «ابو الفرج عبدالواحد بن احمد الشيرازي» ثم «المقدسي» المتوفى سنة 386 هـ وهو الذي نشر مذهب الامام احمد في القدس.

وكانت علوم العربية من نحو وصرف وأدب وبيان تدرس في المسجد الاقصى الى جانب العلوم الشرعية وكان كل مدرس من المدرسين يختار عمودا من اعمدة المسجد يجلسون عندها ويتحلق حولهم الطلاب حتى كان يعرف العمود بالمدرس الذي كان يجلس عنده.

وبعض المدرسين كانوا يلقون دروسهم في الصيف على المصاطب التي بنيت في ساحاة المسجد الاقصى ومن اقدم تلك المصاطب مصطبة الكرك في فناء الصخرة في الزاوية الشرقية الجنوبية.

وكان من دأب المدرس ان يجلس في اوقات معلومة للناس كأن يكون ذلك بعد صلاة الفجر أو صلاة العصر أو المغرب أو العشاء.

ولم يكن المدرسون في المعهد الاسلامي الاول في فلسطين يؤجرون على عملهم وانما كانوا يؤدونه احتسابا لوجه الله ولم يقطع التدريس في المسجد الاقصى عبر القرون إلا في فترة الاحتلال الصليبي «492-583هـ».

وبعد الفتح الصلاحي 583 هـ عني صلاح الدين بإعادة الحياة العلمية الى المسجد الاقصى فرتب له اماما وعين على خدمته من يرعاه ونقل اليه عددا من المصاحف ووقف على المسجد الاوقاف للانفاق على ذلك كله، واجريت فيه بعض التعديلات والتعمريات واضيف الى مبانيه واروقته في العقد الايوبي والمملوكي الكثير حتى بدا المسجد درة تتلألأ من جديد في سماء القدس.

وبدأت جماهير العلماء تفد من جديد الى الاقصى للصلاة فيه واحيائه من جديد بالعلم والعلماء وحلقات التدريس وقرب صلاح الدين العلماء واحسن الى عدد كبير منهم وحضر مجالسهم في القدس وكان منهم وزيره القاضي الفاضل والقاضي بهاء الدين بن شداد ووصف صلاح الدين بحسن الاستماع والمشاركة في مجالس العلم المنعقدة في رحاب المسجد الاقصى المبارك.

وقد أورد مجير الدين الحنبلي في الجزء الثاني من الاندلس الجليل سيرا مختصرة لحوالي 440 عالما وقاضيا وخطيبا ومؤلفا ممن عاشوا وعملوا في بيت المقدس منذ الفتح الصلاحي وحتى سنة 900 للهجرة أي خلال 300 سنة وهذا بالطبع لا يشمل الى جزءا يسيرا من العلماء والفقهاء الذين عملوا في القدس والمسجد الاقصى في تلك القرون الثلاثة حيث لا يمكن احصاؤها جميعا.

وبعد الفتح زاد الاهتمام بموضوع فضائل بيت المقدس فوضعت مجموعة من الكتب في فضائل المسجد الاقصى وبيت المقدس ودرست الفضائل للطلاب في المسجد الاقصى المبارك.

وفي أواخر القرن السادس الهجري اخذت المدارس في الظهور وقاسمت المسجد الاقصى التدريس فأصبحت الدراسة اكثر نظاما من حيث عدد الطلاب والمدرسين المتخصصين والمشرفين على تلك المدارس، ومع ذلك استمرت حلقات العلم في المسجد الأقصى ومسجد قبة الصخرة وفي ساحات المسجد الأقصى، وكان بعضهم يدرس صباحا في مدارس المسجد الأقصى، وبعد صلاة العصر يجلس في زاوية ليلقي دروسه المعتادة.

وازدادت المدارس حتى اصبحت بالعشرات احاطت بالمسجد الأقصى من جهته الغربية والشمالية وكان بعضها في داخل أسوار المسجد الأقصى.

وفي القرن التاسع الهجري على الأخص اصبحت بمثابة «جامعة القدس الكبرى»، في عدد مدرسيها وعدد طلبتها وفقهائها ونشاطها العلمي، وكانت اروقة المسجد الأقصى والدور التي فوقها تستخدم للتدريس ومساكن للطلاب.

واضيفت إلى المصاطب الموجودة مصاطب جديدة لتستوعب مئاتا لمدرسين لإلقاء دروسهم على المصاطب التي كان يجلس عليها الطلاب للاستماع إلى الدروس والتي منها مصطبة علاء الدين البصير، ومصطبة الظاهر، ومصطبة قبة موسى، ومصطبة سبيل قايتباي.

وقد صار للمدرسين وكل العاملين في المسجد الأقصى رواتب محددة تصرف عليهم من أوقاف المسجد بالإضافة إلى الهبات التي ظلت ترد عليهم من السلاطين وغيرهم.

وفي العهد العثماني 923 هـ- 1336هـ: ضعفت الحركة العلمية إجمالا، وأخذ الدارسون يتجهون أكثر فأكثر إلى الجامع الأزهر ولكن التدريس في المسجد الأقصى استمر حتى في تلك الأيام المضطربة.

وممن درس في المسجد الأقصى في القرن الثالث عشر كل من الشيخ أسعد الإمام مفتي الشافعية.

ودرس مراد افندي المصري، علم الخط في الغرفة الشمالية من صحن الصخرة وعلوم اللغة في اواخر القرن الثالث عشر.

والشيخ الخزندار الغزي: كان يعلم الأولاد القراءة والقرآن والنحو والصرف والفقه في إحدى الغرف الشمالية في صحن الصخرة في أواخر القرن الثالث عشر أيضا.

وكذلك الشيخ عبدالرزاق العفيفي: درس الفقه والعلوم الشرعية على المصطبة في المسجد الأقصى تجاه باب الحديد سنة 1287 وما قبلها وما بعدها.

والشيخ عبدالقادر ابوالسعود: درس الفلك في الخانقاه الفخرية وفي إحدى الغرف الغربية في صحن الصخرة.

وعندما زار السائح التركي أوليا جلبي القدس في أواخر القرن الحادي عشر الهجري كتب يقول: «هناك ثمانمائة موظف يتقاضون رواتب في المسجد الأقصى، ومن ضمن هؤلاء أئمة للمذاهب الأربعةووعاظ ومدرسون وخدام، وكانت رواتب هؤلاء تدفع من جيب السلطان، فإن خازن السلطان كان يأتي سنويا ليوزع عليهم الهبات والهدايا.

وكثير من الرواتب كانت تدفعها دائرة الأوقاف في القدس بموجب البراءات التي اصدرها السلاطين العثمانيون إلى الأسلاف.

ومما يلاحظ في هذا الصدد ومن مراجعة أسماء المدرسين التي مرت معنا، ان الخدمة في التدريس وفي وظائف المسجد الأقصى الأخرى كان وراثية، ومحصورة غالبا في عائلات معينة، كان يتوارثها الابناء عن الآباء، وهذا تقليد قديم منذ زمن عبدالملك بن مروان، فان عبدالملك كان قد رتب للمسجد الأقصى ثلاثمائة خادم كلما مات واحد منهم قام مقامه ولده، أو ولد ولده أو من أهلهم، يجري عليهم ذلك أبدا ما تناسلوا.

ويلاحظ انه اضيف في العصر العثماني مصطبتان هما مصطبة عشاق النبي، بالقرب من باب العتم، وقد بنيت في القرن العاشر الهجري، زمن السلطان سليمان القانوني، ومصطبة سبيل سليمان، وتقع أمام باب العتم، وهي الواجهة الخلفية لسبيل سليمان من جهة الشمال وعليها محراب، وقد امر بانشاء هذا السبيل سليمان القانوني سنة 943 هـ.

مما تقدم يظهر لنا بجلاء ان المسجد الأقصى عاش حياة علمية حافلة على مدى القرون، وكان مركزا من اهم مراكز تدريس العلوم الشرعية في العالم الإسلامي.

وفي السنوات الأولى من القرن العشرين الميلادي قامت حركة لإحياء بعض مدارس الأوقاف القديمة وإعادة التدريس إليها بيد انها لم تجد صدى في استانبول وعندما أسس المجلس الإسلامي الأعلى في فلسطين في أوائل عهد الاحتلال البريطاني تجددت فكرة إنشاء جامعة المسجد الأقصى فانتدب الحاج أمين الحسيني ومحمد على علوبة باشا للسفر لجمع التبرعات للجامعة سنة 1923م وقوبل الوفد بالحفاوة من مسلمي الهند وتألفت لجان لجمع التبرعات لانشاء الجامعة بيد ان شيئا من المال لم يجمع لأن الحكومة البريطانية أوعزت لنائب الملك في الهند بعرقلة المشروع لانه يتعارض وسياسة بريطانيا في فلسطين.

وجدد المجلس الإسلامي المحاولة في الثلاثينيات بعد عقد المؤتمر الإسلامي في القدس سنة 1931م، واتخذ الاستعدادات لإنشاء جامعة المسجد الأقصى ووضع منهجا للدروس ولكن المشروع لم ينفذ، واننا لنأمل ان يأتي اليوم الذي ترمم فيه المدارس الأثرية وينبعث منها تيار تعليم عصري وثيق الصلة بكل ما هو إيجابي في تراث السلف.


أرسل هذا الموضوع لصديق نسخة سهلة للطباعة
 
أخبار مرتبطة
الخليفان لـ« عالم اليوم »: «الإعلام الديني» بلا أهداف ربحية.. والحفاظ على الهوية الإسلامية أهم أولوياته
العجمي: التعريف بالإسلام.. عمل لا ينتهي ودعوة لن توقفها الحدود
أبو زيد لـعالم اليوم : المرأة قاعدة العمران البشري
النهام لـعالم اليوم : السياسة لابد ان تكون مندرجة تحت أصول الشريعة العامة
المسجد الأقصى.. تاريخ وأمل الأمة.. فهل من همّة؟ «7»
الأقصى.. تاريخ وأمل الأمة.. فهل من همة؟ «5»
المسجد الأقصى.. تاريخ وأمل الأمة.. فهل من همّة؟ (1)
الصيام.. دواء لكل داء «3»
المسجد الأقصى.. تاريخ وأمل الأمة.. فهل من همّة ؟ (3)
المسجد الأقصى.. تاريخ وأمل الأمة.. فهل من همّة؟ «6»
أخبار أخري
استهبال هيئة الزراعة!
العراق: لا نعترف بحدودنا مع الكويت!
عالم اليوم تعرض مشكلة نجوى كرم في مصر.. وتظهر الحقائق
هايف ....طنازة الشرطة النسائية!
الفساد التشريعي!
الحريّة لكل الربع!
مبروك أنت وزير
«عرس» يلغي مران القادسية !
الفهد: لا نستبق الأحداث وننتظر التقارير لإقرار كادر موحد للعاملين بالحكومة
راموس الأخطر وغيمس الأكبر سنا وهوندا الأكثر عنفا
سين و جيم
س : شلون شايف نتيجة الاجتماع الـنـــيــابي الــحـكومــي حــول «المرئي والمسموع»..؟!
ج : تيش بريش..!
زغالة
يا ليت الناطق الرسمي يقولنا إذا الداخلية طلبوا من بريطانيا تسليم المجرم الهارب من حكم العدالة ولاّ لأ..!!
حركة الوصول بالمطار

كاريكاتير


03/07/2009 الثقة


أجعلنا صفحتك الرئيسية  أضف إلي المفضلة
شركة هارد تاسك لتكنولوجيا المعلومات Developed By
جريدة عالم اليوم جريدة عالم اليوم جريدة عالم اليوم جريدة عالم اليوم جريدة عالم اليوم جريدة عالم اليوم جريدة عالم اليوم جريدة عالم اليوم