منذ أن أنشأ الأستاذ المحامي محمد عبدالقادر الجاسم موقعه الإلكتروني «الميزان» على شبكة الإنترنت في أبريل من عام 2005 وبدأ ينشر فيه مقالاته الساخنة جدا وهذا الموقع يحظى بشهرة ومتابعة كبيرين على الصعيد المحلي، بل وحتى على الصعيد الخليجي على ما أعتقد. الأستاذ محمد عبدالقادر الجاسم من الصحفيين المعروفين بالصحافة الكويتية، فهو ترقى في مدارج الصحافة حتى وصل إلى منصب رئيس لتحرير جريدة الوطن فــــي الفترةمن 2005-1997، وقبل ذلك كان نائباً لرئيس تحرير نفس الجريدة في الفترة من 1997-1994، ولكونه يحتل هذا الموقع المتقدم في الصحافة الكويتية فهو بالضرورة مطلع على كثير من المعلومات وتفاصيل ما يجري خلف الكواليس في المشهد الكويتي بصورة خاصة، وزيادة على ذلك فهو يتميز بالجراءة في الطرح والدفاع عن رأيه.
برغم صراحة وجرأة ما كان يكتبه الأستاذ محمد عبدالقادر الجاسم كرئيس تحرير لجريدة الوطن فإن هذه الجرأة لا يمكن أن تقارن بما تحويه مقالاته على موقعه الإلكتروني من تجاوز الخطوط الحمراء كلها، فهو تطرق إلى مواضيع عديدة تاريخية ومعاصرة كان مسكوتاً عنها، وخاصة فيما يتعلق بموضوع «مداحر الشيوخ» وهي مواضيع ما زالت تعتبر خطوطاً حمراء في الصحافة الورقية أو في وسائل الإعلام المحلية الأخرى. قد لا تكون غالبية المعلومات التي حوتها مقالات الأستاذ محمد عبدالقادر الجاسم خافية على الكويتيين، فالكثير منها كان معلوماً ومتداولاً، ولكن ما ميز هذه المقالات أنها قد طرحت الأمور الحساسة التي لم يكن أحد يناقشها بجرأة وبصراحة غير مسبوقة. وبسبب هذه الجرأة أصبحت هذه المقالات حديث الدواوين والمنتديات مما جعل السلطة حائرة ومرتبكة في التعامل مع هذا النمط الجديد من حرية تعبير لا تملك القدرة على الحد منها أو السيطرة عليها، وهذا الارتباك تجلى في محاولة بائسة لحجب موقع «الميزان» لفترة محدودة، ولعل ذلك كان من الغباء السياسي لأن هذه الخطوة زادت من شهرة وانتشار الموقع حتى تحول هذا الموقع إلى ظاهرة جديدة أسمها«محمد عبدالقادر الجاسم».
بالرغم من أن الأستاذ الجاسم لم يكن محسوباً على تيار المعارضة، بل على العكس من ذلك كان لفترة طويلة رئيس تحرير صحيفة تعتبر صحيفة النظام، وهو ما يأخذه البعض عليه، وبغض النظر عن دوافعه في استخدام هذا الأسلوب الصارخ في النقد فإنه يحسب للأستاذ محمد عبدالقادر الجاسم أن كتاباته على الإنترنت كانت سبباً مباشراً للارتفاع الملحوظ في سقف الحرية في الصحافة المحلية لأنها شجعت الكتاب الآخرين في الصحف المحلية على«الاقتراب» من المواضيع «المحرمة»، وأصبح ما يكتبه الجاسم معيارا دقيقا لما يمكن أن تتقبله السلطة من نقد أو لجهة نوعية الملفات المفتوحة.
أعتقد أن سر المتابعة الدائمة لما يكتبه الجاسم يعود إلى أن القارئ الكويتي دائماً ما يبحث عن الإثارة ليعرف ما يدور خلف الكواليس وهو ما يقدمه له الجاسم. المتابعة الكبيرة لمقالات الجاسم تثبت أن الكويتيين وبرغم هامش حرية الرأي الجيد المتوفر مازالوا يطلبون مزيداً من الحرية والشفافية، ولعل تجربة محمد عبدالقادر الجاسم الناجحة في فضاء النشر الإلكتروني حيث الحرية الكاملة شجعت وسوف تشجع آخرين على اقتفاء نفس الأثر، وهو درس يجب أن تستوعبه السلطة في أن الحجر على الآراء أصبح مستحيلاً في ظل حكم الجنرال “إنترنت”. ربما كان يحسب للسلطة “سعة صدرها” في تغاضيها على مضض عمّا كان يكتبه الجاسم من مقالات، ولكن يبدو أن الكيل قد طفح، ولم يعد بالإمكان الاحتمال أكثر من ذلك، ولذلك فإن إحالة الزميل الجاسم إلى النيابة على خلفية إحدى المقالات التي كتبها تمثل القشة التي قصمت ظهر البعير، ولكنها بالتأكيد محاولة يائسة وبائسة لتقييد حرية الرأي، لأن الخرق اتسع على الراقع.
salahma@yahoo.com