للديوانية في الكويت قيمة سياسية واجتماعية عالية جدا، وهي في وجودها ودورها السياسي والاجتماعي، جزء لا يتجزأ من تراث الكويت. وإذا كان المرسوم بقانون التجمعات الذي أقره مجلس الوزراء مؤخرا ينتهك مبادئ الدستور ويخالف المبادئ التي قررتها المحكمة الدستورية، وإذا كان من شأن نصوصه تقييد الحراك السياسي أثناء فترة الانتخابات لاسيما فيما يتصل بتنظيم الندوات الانتخابية، فإن المصيبة هي تأثير المرسوم بقانون على وضع الديوانيات وعلى الحرية التي تتسم بها عادة المناقشات التي تدور في الديوانيات. وتتعاظم المصيبة حين نتعرف أكثر على كيفية تعامل المرسوم مع الاجتماعات التي تعقد في الديوانيات.
تقرر الفقرة«د» من المادة الثانية من المرسوم بقانون أن اجتماعات الديوانيات لا تخضع لهذا القانون حيث جرى النص على النحو التالي :«لا يعتبر اجتماعا عاما في تطبيق أحكام هذا القانون...(د) ما جرى به العرف من اجتماعات في الدواوين الخاصة للكلام في موضوعات متفرقة من دون دعوة عامة لبحث موضوع عام محدد». وهذا النص لا غبار عليه. لكن تكملة هذا النص تقول «ومع ذلك، فإذا خرجت هذه الاجتماعات إلى مناقشة موضوعات خارجة عن النطاق السابق، اعتبرت اجتماعات عامة وسرت عليها أحكام القانون»!
ويلاحظ هنا أن النص يشير إلى أنه في حالة «خروج» الاجتماعات عن الكلام في موضوعات متفرقة وتحوله إلى مناقشة موضوعات«خارجة عن النطاق السابق» اعتبرت اجتماعات عامة. وطبقا للمادة 11 فإن «لرجال الشرطة حق حضور الاجتماعات العامة للمحافظة على الأمن والنظام العام..». كما لا يجوز أن يستمر الاجتماع إلى ما بعد الساعة الثانية عشرة ليلا إلا بإذن خاص من المحافظ. والسؤال الذي أطرحه هنا هو من يملك الحق في مراقبة المناقشات التي تجري في الديوانيات؟ ومن هو صاحب سلطة اتخاذ قرار بأن المناقشة خرجت عن السياق القانوني؟ وهل يجوز لوزارة الداخلية أن ترسل أفرادها للتحقق من التزام رواد الديوانية «بالسياق» القانوني للمناقشة؟ إن المرسوم هو الذي خرج عن سياق تراث الكويت وعن السياسة التشريعية الواجب اتباعها، وهو الذي جاء بصياغة فضفاضة ركيكة لا تنتمي إلى الفن القانوني على الإطلاق بقدر انتمائها إلى الفكر التسلطي القمعي!
إن المرسوم بقانون يهدم أحد عناصر التراث الكويتي، والأخطر أنه من قبيل القوانين التي تدق إسفين في العلاقة بين السلطة والشعب يضاف إلى ما سبقه وسيلحقه من سكاكين تغرس في خاصرة الوطن هذه الأيام.
ولا أملك والحال كذلك سوى توجيه سؤال مباشر إلى سمو رئيس مجلس الوزراء: هل قرأت مسودة المرسوم قبل توقيعه؟ هل طلبت من مستشارك القانوني شرح هذا المرسوم؟ هل استوعبت نصوصه؟ إذا كانت الإجابة نعم، فالسؤال الكبير هو: لماذا تفعل حكومتك كل هذا في الكويت؟ هل نحن، الشعب الكويتي، أعداء لكم، أم أننا شعب يحبكم ويواليكم ويناصركم؟ أو بعبارة أخرى، هل ما زلتم تحبوننا وتحترموننا، أم .....!! وماذا تتوقعون منا بعد كل هذا؟
أعاننا الله عليكم وأعانكم على أنفسكم..