وفق بيانها، الذي أصدرته فقد وضعت مجموعة الـ 26 في صدارة اهتماماتها قضية «استنزاف وتبديد ثروة البلاد بكافة أشكالها، والدعوة لترشيد استخدامها وضرورة مكافحة الفساد بأشكاله المتعددة، وتحقيق التنمية الشاملة، وتكوين رأي عام لتحقيق ذلك»... وهي بالتأكيد قضية هامة لا يجوز التهوين منها ولا الاستخفاف بها، ولكن الأمل ألا يتم التعاطي معها على نحو منحاز وغير متوازن، بحيث يجري التركيز فقط على سلبيات بعض المطالبات والمشروعات النيابية ذات الطابع الشعبي أو «الشعبوي»، بينما يتم تناسي سوءات مشاريع تنفيع الكبار، والحيازات الشاسعة لمشاريع «مبادرات» الاستيلاء على أملاك الدولة، وقوانين الانحياز الطبقي الفاضح من شاكلة المديونيات الصعبة في بداية التسعينيات ومرسوم قانون تعزيز الاستقرار المالي... مثلما الأمل قائم أيضاً في ألا يستهدف شعار ترشيد استخدام الثروة الدعوة إلى تقليص بنود الإنفاق الاجتماعي الضرورية والاكتفاء بتحميل الفئات الشعبية وحدها عبء هذا الترشيد، بينما يغرف الآخرون من هذه الثروة من دون حدود عبر بنود الإنفاق الأخرى بدءاً من صفقات السلاح وانتهاءً بالمباخر ودهن العود وهدايا الساعات الذهبية والسيارات الفارهة المعلوم منها والمستور!
وغير هذا، فإنّ المهمة التي تنكّبت لها مجموعة الـ 26 ستبقى قاصرة ومحدودة الأثر ما دامت محصورة فقط في إبراز بعض الاختلالات، التي هي أقرب ما تكون إلى النتائج والأعراض، منها إلى أن تكون هي العلل والأمراض... والاكتفاء بنقد ممارسات سلببية يتحمّل بعض أعضاء مجلس الأمة جزءاً من المسؤولية عنها، وقد تُعزى أيضاً إلى قيم الاقتصاد الريعي وثقافة المجتمع الاستهلاكي، ولكنها بالأساس نتاج اختلالات أخطر تتطلب تشخيصاً صريحاً؛ وجرأة في الطرح؛ ودعوة واضحة إلى التغيير.
ذلك أنّ تبديد الثروة الوطنية؛ وتفشي الفساد؛ وغياب التنمية إنما هي اختلالات تعود إلى أسباب أعمق وأبعد من أن تنحصر في حدود «المشروعات الشعبوية» لبعض النواب، إذ إنّها تعود في جذورها إلى مشكلة الإعاقة المتعمّدة منذ عقود طويلة لمشروع بناء الدولة الكويتية الحديثة، الذي جرى تعطيله... كما يرجع جانب منها خصوصاً خلال السنوات الأخيرة إلى سوء الإدارة، والقصد هنا ليس الإدارة الحكومية بمعناها البيروقراطي، التي هي بالتأكيد إدارة سيئة، وإنما المقصود هي الإدارة السياسية للدولة، التي تعاني عجزاً ذاتياً فاضحاً في قدراتها وقصوراً في اختياراتها، ناهيك عن تراكم فشلها الذريع في إدارة شؤون البلاد... ففي ظل هذه الإدارة البائسة تراجع ترتيب الكويت على نحو مؤسف في مؤشر مدركات الفساد العالمي ضمن تقارير منظمة الشفافية العالمية للسنوات 2006 و2007 و2008، وفي ظل هذه الإدارة تقترب الكويت سنة بعد أخرى إلى تصنيفها كدولة محتملة الفشل ضمن المؤشر العالمي للدول الفاشلة منذ العام 2006 واستمرت كذلك في تقارير السنوات اللاحقة، وفي ظل هذه الإدارة تعطّل على نحو غير مسبوق إنجاز العديد من المشروعات الكبرى الموعودة... وفي ظل هذه الإدارة أيضاً شهدت الكويت أسوأ حالة عدم استقرار متواصلة في حياتها السياسية، حيث جرى تشكيل ست حكومات متعاقبة خلال أقل من أربعة أعوام مصحوبة بحلّ مجالس الأمة وإجراء انتخابات نيابية مبكرة ثلاث مرات متتالية في الأعوام 2006، و2008، و2009، والمفارقة أنّ ذلك كله حدث من دون أن تفتقد تلك الحكومات الغالبية النيابية المؤيدة لها، مثلما تدعي، اللّهم إلا في مجلس 2003 بعد أزمة الدوائر الانتخابية، التي كانت مثالاً حيّاً للمراوغة الحكومية المتخبطة!
ولا أحسب أنّ ما سبق خافٍ على رجالات مجموعة الـ 26، ولكن الأمل ألا يكتفوا في لقاءاتهم بالحديث المسهب عن العرض والتجاهل الملحوظ عن ذكر العلّة والمرض..!