كيف لا نحزن، بل كيف لا نغضب ونحن نرى هذا التراجع المريع للكويت ضمن المؤشر العالمي لمدركات الفساد في التقرير الأخير الصادر يوم أمس عن «منظمة الشفافية العالمية»؟!
فضمن هذا المؤشر العالمي المكوّن من عشر درجات؛ الذي تكون فيه الدولة الحاصلة على الدرجات الأقل هي الدولة الأكثر فساداً والعكس صحيح، هاهي الكويت المأسوف عليها تحتل هذا العام المرتبة السادسة والأخيرة ضمن دول مجلس التعاون الخليجي الست، ومعها تتراجع مرتبتنا بين دول العالم المشمولة في هذا المؤشر إلى المرتبة 66، ومعهما تنخفض الدرجات، التي حصلنا عليها في التقرير الأخير لتصبح 4.1 درجات فقط من بين عشر درجات، بعد أن كان ترتيبنا الآخذ في التراجع عاماً بعد عام منذ العام 2006 هو الخامس خليجياً، أي قبل الأخير في العام الماضي والـ 65 دولياً؛ وبعد أن كانت درجاتنا المتدنية بالأصل في مؤشر العام الماضي لا تزيد عن 4.3 درجات فقط من بين عشر درجات!
ولعلّها ليست صدفة؛ بل هي نتيجة طبيعية لسوء الإدارة السياسية للدولة أنّ هذا التراجع قد استمر على نحو خطر ومؤسف ضمن هذا المؤشر العالمي منذ العام 2006 ومع تشكيل أولى الحكومات الست المتعاقبة للإدارة السياسية الحالية... فقد كانت الكويت في العام 2006 مع تشكيل أول حكومة من بين هذه الحكومات الست تحتل المرتبة 46 من بين دول العالم في هذا المؤشر وكانت درجاتنا في حدود 4.8 درجات من بين عشر درجات... وفي العام 2007 تراجع ترتيب الكويت إلى المرتبة 60 وتدنت معه درجاتها إلى 4.3 درجات فقط من بين عشر درجات... وفي العام 2008 تراجع ترتيبنا إلى المرتبة 65 مع ثبات الدرجات المتدنية ذاتها، التي كنا قد حصلنا عليها في العام الأسبق... والآن ها هي الكويت تواصل هذا التراجع المؤسف لتنخفض درجاتها المتدنية من قبل وتصل إلى 4.1 فقط من بين عشر درجات، وهذا يعني أنّ الفساد قد فشا واستشرى خلال العام الماضي أكثر فأكثر، بحيث أصبحنا اليوم في ظل الحكومة السادسة نحتل المرتبة السادسة والأخيرة خليجياً والمرتبة السادسة والستين عالمياً، ولنا أن نتصوّر حالنا في ظل الحكومة السابعة لا قدّر اللّه؟!
صحيح أنّ الفساد آفة عالمية تعاني منها مختلف بلدان العالم ولا يخلو منها أي مجتمع من المجتمعات الإنسانية، ولكن الفارق الأساسي بين أنظمة الحكم في الدول والمجتمعات يتمثّل في طبيعة تعاملها مع الفساد... فهناك حكومات وبرلمانات تحرص على الحد منه وتعمل بجدٍّ على مكافحته وملاحقة الفاسدين والمفسدين ومعاقبتهم وإقصائهم، بينما هناك حكومات وبرلمانات تتسامح مع الفساد وتغضّ الطرف عن المفسدين، أما بعضها فيرعى الفساد ويشارك في الإفساد..!
وصحيح أيضاً أنّ الكويت وقّعت في العام 2003 على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، وأقرها مجلس الأمة وصدر بالموافقة عليها القانون رقم 47 لسنة 2006، ولكن هذه الاتفاقية لا تزال حبراًَ على ورق ولما يتمّ تطبيقها بعد على أرض الواقع، ولا يبدو أنّ هناك نيّة جادة لهذا التطبيق!
وصحيح كذلكً أنّ لدينا في الكويت قوانين لحماية الأموال العامة، ولدينا في مجلس الأمة لجنة برلمانية مختصة بذلك، وهناك العديد من مؤسسات المجتمع المدني الناشطة في ميدان مكافحة الفساد، وهناك ديوان للمحاسبة، واللجنة المركزية للمناقصات العامة... ولكن ما نفع هذا كله، إذا كان هناك مَنْ يرعى الفساد ويتسامح مع المفسدين؟!
بل ما جدوى مثل هذه القوانين والمؤسسات إذا كان بعض كبار مسؤولينا والعديد من نوابنا لا يجد أدنى غضاضة في تبرير حصول أحد أعضاء البرلمان على شيك مصرفي بمبلغ مالي ضخم من المسؤول الأول في السلطة التنفيذية، وكأنّ الأمر تصرف شخصي معتاد ضمن علاقة خاصة قائمة بين فردين عاديين من أفراد المجتمع فلا أبعاد سياسية له ولا تبعات يمكن أن تترتب عليه ولا ضرورة لاستيضاح الأمر والكشف عن ملابساته وظروفه؟!
وأي قيمة للخطاب الحكومي المكرر والمنمق عن مكافحة الفساد، ونحن نرى استمرار هذا التراجع المؤسف لبلادنا عاماً بعد آخر ضمن المؤشر العالمي لمدركات الفساد، بل أنّ بعضنا ربما تمر عليه أخبار هذا التراجع وكأنّ البلد المقصود هي مملكة البوتان وليست الكويت وطننا المأسوف على حاله؟!
وختام القول: واحسرتاه على الكويت...!