أظن أنّه من المفيد جداً لرئيس مجلس الوزراء الشيخ ناصر المحمد، ولنوابه وللوزراء، وكذلك قد يكون من المفيد أيضاً للنواب، والتيارات السياسية، ولأصحاب الصحف ووسائل الإعلام أن يقرؤوا باهتمام بيان منظمة مراقبة حقوق الإنسان الدولية «هيومن رايتس ووتش» الصادر يوم أمس حول قضية الشكاوى المرفوعة من رئيس مجلس الوزراء الشيخ ناصر المحمد ضد الكاتب والمحامي الأستاذ محمد عبدالقادر الجاسم، ليس لأنّه يتضامن مع الصديق الزميل الجاسم في محنته، وإنما لأنّ هذا البيان يوضح المنظور السائد في البلدان المتحضرة تجاه المحاولات الحكومية الهادفة إلى إسكات صوت المعارضة!
إذ يستهجن بيان منظمة مراقبة حقوق الإنسان الدولية السلوك المستغرب، الذي يتبعه رئيس وزرائنا بملاحقة منتقديه ومعارضيه عبر التمادي في توجيهه سيلاً متلاحقاً من الشكاوى والاتهامات والدعاوى ضدهم... ويكفي أنّ البيان معنون بعبارة ذات مغزى؛ وهي: «رئيس الوزراء يُسكِت انتقاد السياسات الحكومية بتهمة التشهير»!
وأنقل هنا مقاطع مترجمة إلى اللغة العربية من النصّ الأصلي للبيان المنشور على الموقع الإلكتروني للمنظمة على شبكة الانترنت http://www.hrw.org/ar/node/86832
حيث جاء فيه قالت سارة ليا ويتسن، المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: إنّ «حبس منتقدي الحكومة ـ الواضح أنهم سلميون ـ جراء تعليقات في تجمع اجتماعي الطابع يقوّض قطعاً من صورة الكويت كأحد أكثر البلاد حرية في المنطقة»... وأضاف البيان «إنّ تجريم حرية التعبير – بغض النظر عن محتوى الانتقاد أو الأشخاص المعنيين بالانتقاد – يناقض الحق في حرية التعبير. والأشخاص الذين يعتقدون أنّ كلام غيرهم أضر بسمعتهم لهم الحق في اللجوء للمحاكم المدنية التماساً للتعويض، لكن سقف تحمل المسؤولين الحكوميين للانتقادات يجب أن يكون أعلى من الأشخاص العاديين»... وختمت سارة ليا ويتسن بيان المنظمة بالقول: «يجب أن يقبل رئيس الوزراء فكرة انتقاده، وألا يلجأ لمواد قمعية في قانون العقوبات لإسكات منتقديه»!
ولمزيد من التوضيح، فقد سبق لي أن كتبت وأكرر أنّ ذات رئيس مجلس الوزراء ليست مصونة، فالذات المصونة الوحيدة، التي لا تُمس هي ذات صاحب السمو الأمير حفظه اللّه ورعاه، وليست هناك ذات مصونة لأي شخص آخر سواه، بمَنْ فيهم رئيس مجلس الوزراء نفسه، الذي يحاول أن يحصّن ذاته تجاه النقد... بل أنّه من الطبيعي في أي نظام ديمقراطي ـ إذا كنا نريد أن نوصف كذلك ـ هو تقبّل انتقاد رئيس الحكومة بل واعتياد تجريحه سياسياً، إذ لا يصح بحال من الأحوال تجريم هذا النقد أو التجريح مادام يدور حول معارضة سياساته وانتقاد ممارساته وقراراته ونهجه وأخطائه وفشله في إدارة شؤون الدولة، ومادام هذا النقد أو التجريح السياسي لا يطاول حياته الخاصة، التي يجب أن تحترم مثل أي حياة خاصة أخرى... ولكن يبدو أنّ الشيخ ناصر المحمد يفترض على خلاف ذلك أنّ انتقاده غير جائز، ويرى أنّ بيان أخطائه وسوء إدارته يمثّل تدخلاً مرفوضاً في حياته الخاصة؛ ويعدّه طعناً غير مقبول لشخصه الكريم ويتعامل مع معارضته بالقول والكتابة على أنّها سبّ وقذف وتشهير... ولهذا فقد لاحق الرئيس العديد من المرشحين السابقين خلال فترة الانتخابات، مثلما لاحق ويلاحق الآن عدداً من النواب والكتّاب والناشطين السياسيين بالدعاوى والشكاوى والبلاغات الموجهة ضدهم إلى النيابة العامة، بالإضافة إلى ملاحقتهم بالقضايا المدنية المرفوعة ضدهم مرفقة بطلبات التعويض المادي... وهذه سابقة غير معتادة لم يلجأ إليها قبله أيّ من أسلافه الكرام من رؤساء مجالس الوزراء السابقين!