اللقاء الذي نظمته أمس لجنة شؤون التعليم والثقافة والإرشاد بمجلس الأمة مع عدد من رؤساء تحرير الصحف حول قانون المطبوعات والنشر بعد مرور أكثر من سنتين على إصداره، يمثّل خطوة مستحقة، ولكن من المهم أن يتم استكمالها بوضع تعديلات ديمقراطية على القانون، وذلك على ضوء ما سبق أن أُثير حول هذا القانون من ملاحظات وانتقادات قبل صدوره وبعد صدوره مباشرة، بالإضافة إلى ما كشفته التجربة العملية الملموسة طوال أكثر من سنتين من عيوب وقيود تحد من حريات التعبير والنشر وتصادر الحق الديمقراطي في الوصول الحر إلى المعلومات.
وبالطبع فإنّ الظروف والملابسات، التي أحاطت بإصدار هذا القانون قد أدت إلى إصداره من دون تلافي العديد من العيوب، التي كانت واضحة في أحكامه وصياغاته، حيث اشترطت الحكومة إقراره على ما هو عليه من دون تعديلات أخرى وإلا رفضه وردّه إلى مجلس الأمة في حال إدخال تعديلات عليه، وذلك بعدما كانت قد استجابت لمطلب الطعن أمام المحكمة الإدارية في حال رفض الترخيص بإصدار صحيفة، الذي ارتبط سياسياً، وليس بالضرورة قانونياً، بفتح الباب أمام إصدار تراخيص لصحف جديدة.
فمقابل الحسنتين اللتين تضمنهما القانون الحالي بشأن الطعن في قرار عدم الموافقة على الترخيص بإصدار صحيفة أمام المحكمة الإدارية، وإلغاء عقوبة التعطيل الإداري للصحف، وهما إنجازان مهمان، فقد انطوى القانون على قيود ليست قليلة... إذ تضمّن العديد من المصطلحات والتعابير المطاطة وغير المنضبطة أو الدقيقة في الفصل الثالث المعنون بالمسائل المحظور نشرها في المطبوع أو الصحيفة والعقوبات، مثل: زعزعة الثقة بالوضع الاقتصادي، والتأثير على العملة الوطنية، والمذاهب التي ترمي إلى هدم النظم الأساسية... كما قيّد القانون في هذا الفصل منه حرية الوصول إلى المعلومات، التي هي اليوم واحدة من أهم الحريات الديمقراطية في بلدان العالم، حيث حَظَرَ القانون نشر الاتفاقيات والمعاهدات التي تعقدها حكومة الكويت قبل نشرها في الجريدة الرسمية إلا بإذن خاص من الوزارة المعنية، وحَظَرَ كذلك كشف ما يدور في أي اجتماع أو ما هو محرر في وثائق أو مستندات أو مراسيم أو أي أوراق أو مطبوعات قرر الدستور أو أي قانون سريتها أو عدم نشرها، ولو كان ما نُشِر عنها صحيحاً، ويقتصر النشر على ما يصدر عن ذلك من بيانات رسمية، وهذا ما يحوّل الصحف إلى نشرات حكومية أو إلى شيء شبيه بها، ويقيّد حق المواطنين في الاطلاع على المعلومات.
وأيضاً فإنّه على الرغم من الادعاء الرائج بأنّ قانون المطبوعات والنشر الحالي قد ألغى عقوبة حبس الصحافيين والكتّاب فإنّ هذا القانون في واقع الأمر قد وسّع من إمكانية الحكم بحبس الصحافيين والكتّاب، فصحيح أنّ القانون لم ينص صراحة على عقوبة الحبس، باستثناء ما ورد في المادة 19 المتصلة بالمساس بالذات الإلهية، فإنّ القانون في هذه المادة وفي العديد من مواده الأخرى قد أحال إلى عقوبات واردة في قانون الجزاء، وهي عقوبات تتضمن عقوبة الحبس، وهذا ما يتضح من المادة 27 التي حددت قائمة من العقوبات بالغرامة المالية، ولكنها انطلقت في مقدمتها من حكم يقرر مسبقاً أنّ هذه العقوبات الواردة
في قانون المطبوعات لا تخل بأي عقوبة أشد ينص عليها قانون آخر يعاقب رئيس التحرير وكاتب المقال أو المؤلف، مما يعني إمكانية أن يحكم القاضي بتلك العقوبات الأشد، أما المادة 28 فنصّت صراحة على أن تكون العقوبة في بعض جرائم النشر وفق القانون 31 لسنة 1970 بتعديل بعض أحكام قانون الجزاء رقم 16 لسنة 1960، وهو القانون الخاص بالجرائم الواقعة على أمن الدولة الداخلي والخارجي، وبعض مواده يشمل عقوبتي الإعدام والمؤبد... هذا ناهيك عما تضمنه القانون من تغليظ فج ومرهق ومبالغ فيه للغرامات المالية، التي يمكن أن يحكم بها الصحافي والصحيفة!
ومع الأسف فقد تكررت هذه النصوص المعيبة والمتشددة والمقيدة للحريات في قانون المرئي والمسموع، وكذلك في الاقتراح بقانون، الذي أعلن النائب العام مؤخراً أنّه قد جرى إعداده في شأن الانترنت، مما يكشف أنّ هذا هو النهج الحكومي والبرلماني السائد في التعامل مع الحريات الإعلامية.
أخيراً، حتى لا يكون نقاش الأمس في لجنة شؤون التعليم والثقافة والإرشاد بمجلس الأمة مع رؤساء تحرير الصحف مجرد نقاش بلا نتيجة، فإنّ الخطوة المستحقة هي تشكيل فريق عمل يتقدم باقتراحات محددة لتعديل قانوني المطبوعات والنشر والمرئي والمسموع بما يتوافق مع مبادئ الحرية وأسس النظام الديمقراطي.